Tawfiq Al-Hakim — توفيق الحكيم
عندما دوَّن وكيل النائب العام« يوميات نائب في الأرياف» لم يقصد نائبًا ولا قرية بالذات، ولكنه صوَّر نماذجَ بشريةً وأحوالًا اجتماعية مما قد ينطبق على كل رقعة في ريف مصر.وهو في هذا الكتاب ينحو نحوًا آخر. فهو يقصد نائبا بالذات.. له حبُّه للفن وحياة بعينها لها ميولها ونوازعها وظروفها التى قد لا تكرر كثيرًا في عين المحيط، وإن كان الإطار الذي تتحرك فيه الذكريات هو الإطار الاجتماعي الذي يعكس صورة من صور حياتنا في الأقاليم في وقتٍ من الأوقات.«توفيق الحكيم»
هذا الكتاب هو إحدى مسرحيات «توفيق الحكيم» الشهيرة التى تم إصدارها ضمن مشروع «دار الشروق»لإعادة نشر الأعمال الكاملة لأبى المسرح العربى.
هذه مسرحية تعليمية…والأعمال التعليمية في الأدب والفن ، من كليلة ودمنة إلى حكايات لافونتين إلى مسرحيات بريخت وغيرها من آثار هذا النوع ، إنما تهدف إلى توجيه السلوك الفردي أو الاجتماعي .. وهي في أحيان كثيرة لا تخفي مقاصدها .. وتتخير من العبارات ما يصل توا إلى النفوس ويرسخه في الأذهان .. وتنتقي من وسائل التعبير أوضحها وأبسطها .. وتتخذ أحيانا من وضع الحكمة والمغزى في صورة مباشرة سلاحا من أسلحتها.وهي على خلاف الفن الآخر الذي يخفي وجهه ويدعك تكتشف ما خلفه، تكشف هي القناع وتقول لك:نعم أريد أن أعظك فاستمع إليّ !وإزاء هذه الصراحة منها نصغي إليها راضين .. وهكذا أصغينا ولا نزال نصغي إلى حكم كليلة ودمنة وعظات لافونتين ومسرحية بادن التعليمية لبريخت .. دون أن نضجر مما نسمع .. ذلك أن الوعظ في ذاته فن ، ما دام قد قدم إلينا في شكل جميل.كل ما أرجو إذن لهذه المسرحية؛ هو أن يكون مضمونها قد قدم في شكل غير ثقيل على النفس ، وأن تحقق ، ولو بقدر ضئيل، ما تهدف إليه من مقاصد.
أحد علامات توفيق الحكيم البارزة التي تؤكد صلاحية الأدب الخالد للقراءة عبر كل الأزمان ومهما تغيرت الأحوال والعصور.
كانت «أهل الكهف» أول مسرحية «فنية» تستلهم القصص الديني في الدراما التمثيلية، عالج فيها توفيق الحكيم إشكالية الزمن ومعناه في علاقته بالبشر والحضارات، وطرح سؤاله الفلسفي الخالد: هل في مقدور الإنسان أن يقاوم الزمن بكل تداعياته وجموحه وهيمنته ومساره المقرَّر؟ وبها دخل الأدب الدرامي دائرة الوعي العام بوصفه فرعًا من فروع الأدب العربي.وفي هذا قال الأديب الكبير بهاء طاهر:« كانت «أهل الكهف» مدخل جيل بأكمله إلى الفن الدرامي. جيل عرف الدراما عن طريق القراءة قبل أن يعرفها على خشبة المسرح. ففي الأربعينيات وأوائل الخمسينيات لم يكن للحياة المسرحية وجود حقيقي . وكانت هذه القطع الأدبية الجميلة تلهب خيالنا باعتبارها نماذج سامية لفن مفقود»ويقول الحكيم عن مسرحيته:«لقد قلت في هذه المسرحية إن أهل الكهف هؤلاء قديسون صحيح، ولكن يجب ألَّا يعيشوا معنا، يجب أن نضعهم في كهف محترم نقدسه ونحجّ إليه، ولكن لا يمكن أن نتركهم ليفسدوا الحاضر.إنني أتصور أهل الكهف وقد تركتهم يعيشون في الحاضر بعد غيبة أكثر من ثلاثمئة سنة، سيحاول كلُّ منهم طبعًا أن يعود إلى حرفته القديمة، وأفكاره العتيقة».
من أشهر روايات الأدب العربي الحديث التي تعرضت لواقع الريف وحياة الفلاحين في مصر، في النصف الأول من القرن العشرين، وما يتعرضون له من ظلم وإهمال في ظل الجهل والفقر والمرض، عقب صدورها بوقت وجيز للغاية، ترجمت«يوميات نائب في الأرياف» إلى الإنجليزية والفرنسية، وكتب عنها الناقد الفرنسي رمون فرنانديز:«إنها صورة حية، ساخرة قاسية أحيانًا لدنيا الريف المصرى، وإن هذه الدنيا لتتحرك في صفحات هذا الكتاب في حيوية مدهشة تجعل القارئ ينسى أحيانًا المقاصد الإصلاحية التى حركت توفيق الحكيم، لكن الذي يعلق بذاكرة القارئ هو قوة السرد والخلق والصدق ودقة الملاحظة والقدرة على إدراك القصة، غير أن توفيق الحكيم إنما يكتب ليحتج وينقد ويتهم».الراوي في «نائب في الأرياف» غريب عن القرية التي ينتدب للعمل فيها، فرضت عليه ظروف الحياة أن يكون موجودًا في الأرياف، ويومياته التي يعرض من خلالها الأحداث تكاد تكون مرتبطة بأحداث وحياة المؤلف الخاصة التي لم يستطع تجاوزها.